عمر فروخ
19
تاريخ الأدب العربي
لعلّ أقدم ما بدا . للإنسان أن ينقل به مقاصده إلى الآخرين كان الحركات : حركات الإنسان بيده أو برجله أو بأعضاء وجهه ( كالشّفاه والجفون والحواجب ) أو بأسارير وجهه ( بتبدّل مواضع الخطوط التي على وجهه ) . وكانت الحركات قد أصبحت للإنسان الأوّل الأعجم ( الذي لا ينطق نطقا فصيحا معبّرا ) لغة ثابتة لها قواعدها ، وكانت القصود منها معروفة كما نعرف نحن اليوم معاني الألفاظ التي نتداولها في كلامنا . ونحن نعرف اليوم هذه الحركات ومعاني هذه الحركات ممّا نشاهده عند الأطفال أو عند الشعوب الفطريّة أو عند الأفراد الذين فقدوا حاسّة السّمع أو حاسّة النّطق أو فقدوهما معا « 1 » . نحن نعرف أشكال الحركات التي تعبّر عن الرّغبة في الطعام أو الشراب وعن السرور أو الحزن وعن الرّضا وعن الغضب وعن الاستدعاء وعن الطّرد . ولا يزال الإنسان المتحضّر إلى اليوم إذا هو انفعل انفعالا شديدا لجأ في التعبير عن قصوده إلى الحركات التي ترافق كلامه أو إلى تلك الحركات وحدها . وهنالك عدد من الحركات قد أصبح لها دلائل معيّنة في الأمم المختلفة كما أصبح للألفاظ من الدلائل الخاصّة بكل لفظ . حينما كنت في ألمانيا ، اتّفق لي - وأنا في أحد المطاعم - أن أستدعي النّدل ( الخادم القائم على الإتيان بالطعام إلى الموائد ) ، فرفعت يدي ( وباطنها إلى أسفل ) وأشرت إليه بالسّبّابة ( الإصبع التي تلي الإبهام ) . جاء الرجل إليّ وأبدى الملاحظة التالية . قال لي : إذا أنت احتجت إلى أحد مرّة ثانية وأردت أن تناديه وهو بعيد عنك ، فاجعل باطن يدك إلى أعلى . إنّ استدعاء إنسان وكفّك إلى أسفل يكون في حالة الغضب أو الخصام . أمّا إذا كان باطن الكفّ إلى أعلى ، فإنّ ذلك يكون في الرّضا أو في الحاجات المألوفة . إنّ ذلك يدلّ على أن للحركات في عالمنا المتحضّر دلائل كدلائل الكلمات . وخرج الإنسان من طور الحركات إلى طور الأصوات ، من غير أن تفقد الحركات وجوه استخدامها إلى جانب الأصوات .
--> ( 1 ) كان الناس قبل عصرنا الحاضر ( وقبل اختراع وسائل نقل الكلام : بالتلغراف والتلفون والتلكس ) يتخاطبون بإشعال النيران وبحركات اليدين ( في الكشّافة ) . وبحركات أذرع من خشب ( بين السفن إذا مرّ بعضها ببعض ) ، وكما يفعل الخرسان إلى اليوم .